المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
مقالات إسلامية
المظاهر المبكرة للشيعة الإمامية للتصدي لأفكار المفوضة
المظاهر المبكرة للشيعة الإمامية للتصدي لأفكار المفوضة
المظاهر المبكرة للشيعة الإمامية للتصدي لأفكار المفوضة
24-01-2011 12:16
الكاتب: د. محمد جواد فخر الدين
المظاهر المبكرة للشيعة الإمامية
للتصدي لأفكار المفوضة(1)
ابن أبي يعفور مثالاً

د. محمد جواد فخر الدين
كلية التربية/ جامعة الكوفة


يعد القرن الثاني الهجري حقبة خصبة لبذر وانتشار أفكار الغلاة بصورة عامة والمفوضة بصورة خاصة. إذ بدأت سلسلة جديدة من الأفكار المغالية والمتطرفة بالترعرع، وقد ورثوا هؤلاء وتَبَنوّا كثيراً من نظرات الغلاة، وكانت نتيجة مباشرة للأفكار التي تبناها ما يسمون بالكيسانيين والقائلين بالطبيعة الإلهية للأئمة.
وظهرت هذه الفرقة زمن الإمام الصادق علية السلام، وهي تشكل امتدادا لأفكار الغلاة ولاسيما في النظر إلى آل محمد على أنهم موجودات فوق البشر، ذو علم مطلق يشمل علم الغيب، ولهم القدرة على التصرف في الكائنات(2). هذه الفرق الجديدة لا تعتبر النبي أو الأئمة آلهة، ولكنها تعتقد أن الله تعالى قد فوض إليهم أمور الكائنات من الخلق والرزق، وأعطاهم صلاحية التشريع، وبالتالي فإنهم بالناحية العملية يقومون بجميع الأعمال التي يفعلها الخالق(3).
إن الجانب الذي بني عليه عقيدة المفوضة قد استلزم تعطيل القدرة الإلهية، وكانت طروحاتهم هذه مرادفة لكلام اليهود حينما قالوا: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)(4). الأمر الذي يفترض لأوليائه نمطاً من القدرات الخالقية والفاعلية بمعزل عن إرادة الله، ولهذا فرضوا لهم مقامات غير مقاماتهم، وأنزلوهم منازل تبرؤوا من ادعائها. في حين كانت الآيات القرآنية قد فندت هذه الآراء التي أثيرت من قبل، وأكدت على بشرية الرسل كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)(5)، وكذا قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)(6)، وكذلك أكدت الآيات القرآنية على القدرة المحدودة للعلم البشري فقال عز من قائل: ( قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)(7)، وكذا قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(8)، وأمثال ذلك مما تفيض به آيات الكتاب العزيز.
ففي الوقت الذي أكد فيه القرآن على بشرية الرسل، قام بتأكيد مفهوم التفويض الممنوح للأنبياء ولكن من خلال وضعه تحت إطار إذن الله كما في حديثه عن آيات عيسى علية السلام كقوله تعالى: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ)(9) وكما في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)(10)، ومثل هذا التأكيد نرى أن عملية التفويض المشار إليها في حديث المفوضة والغلاة جاءت مناقضة للمفهوم القرآني، فلا القرآن يعطي للرسول استثناءات خالقية، ولا هو يجعل إرادته الإعجازية بمعزل عن إرادة الله بل يجعلها مرهونة بإرادة الله.
وسرعان ما أطلق معتدلو الشيعة على هذه الفكرة اسم التفويض، وعرفت الفرقة القائلة بها بـ المفوضة، وعرف هؤلاء الذين ألهوا الأئمة بـ الغلاة الطيارة(11)، أو اختصارا بـ الطيارة(12)، بالرغم من ذلك فإن اصطلاح الغلاة في الاستعمال العام والمتداول يطلق على القسمين معاً(13).
وقد نجح المفوّضة في تنظيم أنفسهم داخل التشيع، فإن الانشعاب داخل المجتمع الإمامي على أرضية عقيدية كهذه ترتد إلى عصور التكوين الشيعي الإمامي، يلفت إلى أن التعايش بين الاتجاهات المتضاربة داخل المعتقد الواحد يبدو أمراً مألوفاً وأن الانشقاقات الحادة لا تتم إلا في حالة نادرة، وهو ما يسمح بفتح قنوات تأثير وتعبير بين هذه الاتجاهات
وقد شعر الإمامية المعتدلين بفداحة التهديد الذي واجهوه من قبل المفوضة، وقد فرضوا تدابير عاجلة من أجل احتواء هذا الخطر المتنامي. لكن جبهة المفوّضة، عبّرت عن نفسها بوصفها الممثل الحقيقي للتشيع، وأن عقائدها كانت في منتصف الطريق بين الغلاة والمقصّرة ـ المعتدلين ـ. وعليه فإن مثل هذا الزعم قاد إلى فشل جهود خصومهم، بمعنى أن المفوّضة لم يعودوا بعد ذلك مصنّفين كغلاة من قبل الشيعة الإمامية أم التشيع عموما. وقد شن المفوّضة حرباً لا هوادة فيها ضد خصومهم المعتدلين متهمين إياهم بضعف العقيدة، نتيجة لنظرتهم للأئمة على كونهم بشر.
ويمكن أن نلحظ الجذور الفكرية والعقدية للمفوضة إذ تمثل صورة متكاملة لعقائد غلاة الصدر الأول، ويبدو أن آراء المفوضة كانت حصيلة تزاوج غير ميمون بين نظريتين كانتا سائدتين بين غلاة الكيسانية في أوائل القرن الثاني للهجرة:
الأولى: نظرية الحلول وهو حلول روح الله أو نوره في جسم النبي والأئمة، لأن غلاة القرن الأول كانوا يعدون أن النبي(ص)
أو الأئمة(ع) هم الله والتجسيد الكامل لهويته الإلهية، ثم تطورت الفكرة بعد ذلك إلى عد الإمام مظهرا لجانب من روح الله، أو موضعا لحلول قبس من نوره، الذي انتقل من آدم عن طريق سلسلة من الأنبياء حتى وصل إليهم(14).
الثانية: فإن أول من طرحها بيان بن سمعان النهدي ( ت119هـ/737م ) وهي تمثل تفسيرا جديدا للآية: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ)(15) فهذه الآية بزعم بيان تتحدث عن إلهين: واحد في السماء وهو الإله الأكبر، والآخر في الأرض وهو أصغر من إله السماء وهو مطيع له(16).
بينما نلحظ أن أبا الخطاب (ت 138هـ/755م ) زعيم الغلاة الخطابية في العقد الرابع من القرن الثاني زعم أن الإمام الصادق هو الإله في زمانه وليس هو المحسوس الذي يرونه ولكن لما نزل إلى هذا العالم لبس تلك الصورة فرآه الناس فيها(17)، ثم ناد بعد ذلك إلى عقيدة التفويض، أي أن الله خلق محمداً وعلياً وفوّض إليهما مهمة خلق بقية العالم(18). وخلاصة الأمر، أن الفكرة التي تسربت واندمجت في البنية العقيدية للغلاة وأصبحت مرتبطة بغلاة الشيعة وما لبثت أن حظيت الفكرة بدعم المفوضة فيما بعد.
وبمجرد أن ظهرت هذه العقائد الجديدة في الغلو بين صفوف الشيعة الإمامية حتى أخذت بالانتشار، فما كان من الإمام الصادق إلا أن اتخذ موقفا صلباً وحازماً من هذه العقائد الدخيلة والمنحرفة الغالية، ويبدو من بعض الروايات التي وصلت إلينا تشير أن بعض من تبنى مثل هذه العقائد كان لهم حضور سابق في الأفكار الغالية في المجتمع الإمامي فقد نقل زرارة بن أعين للإمام الصادق أن رجلا من ولد عبد الله بن سبأ كان يقول بعقيدة التفويض فيرد الإمام عليه عن معنى التفويض، فيجيب زرارة بأن هذا الرجل يرى أن الله خلق محمداً(ص) وعلياً ثم فوض الأمر إليهما فخلقا ورزقا وأحييا وأماتا. فقال عليه الصلاة والسلام كذب عدو الله فقال الإمام: إذا رجعت إليه فاقرأ عليه الآية التي في سورة الرعد: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)(19)(20).
انفرد الشيخ الصدوق بذكر هذه الرواية التي نسبت إلى أحد أولاد عبد الله بن سبأ، مع العلم أن المصادر الشيعية المتقدمة الأخرى وحتى كتب الرجال و مؤرخو الفرق لم يذكروا هذه الشخصية، ومن المحتمل أن هناك خلطا في الأسماء ليس إلا.
بينما كان الإمام الصادق علية السلام يوضح لأصحابه الالتباسات الواقعة في عملية فهم مصطلح التفويض، ومن المحتمل كان منشأ هذه الشبهة التي أخذ بها المفوضة هو بعض الروايات التي قد يفهم منها هذا المعنى فيقول الإمام: (أبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسباب، فجعل لكل شيء سببا وجعل لكل سبب شرحا وجعل لكل شرح علماً، وجعل لكل علم باباً ناطقاً، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ذاك رسول الله(ص) ونحن)(21). ومع هذا الاعتراف فليس النبي والإمام من أسباب الخلق والتدبير، وإنما هم وسائط بين الخالق والخلق في إبلاغ الأحكام وإرشاد العباد، وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق لأحد أصحابه بقوله: (إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال: (إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل: (مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وإن رسول الله(ص) كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله)(22).
وقد ألقى الإمام الصادق علية السلام الضوء على طبيعة علوم الأئمة، إذ كان يثير دهشة أصحابه عندما يقول لهم أنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض، ويعلم ما في الجنة ويعلم ما في النار، ويعلم ما كان وما يكون، ثم يبين أن مصدر تعاليمهم هي القران الكريم(23)، والمصدر الثاني لعلوم الإمام السنة النبوية، وقد سئل مرة عن موارد الإمام في استنباط الأحكام، فكان رده أن المورد الأساسي لذلك هو الكتاب، وإن لم يكن فيه فبالسنة. وإن لم يجد قال: (يوفق ويسدد وليس كما تظن)(24).
وكان لمواقف الإمام المتشددة تجاه هذه الظاهرة المتنامية داخل البنية العقيدية الإمامية حتى بادر معه كثير من أصحابه إلى الوقوف أمام هذا التيار الجديد وبقوة(25)، ورفضوا إعطاء أي صفة فوق بشرية للأئمة وأكدوا على أنهم خلفاء الحق للرسول(ص)،
ففي الوقت الذي كانوا يعارضون بقوة إعطاء الأئمة أية صفة غير طبيعية كالعلم بالغيب الذي يضاهي علم الله تعالى فإنهم كانوا يسلمون تماما للأئمة ويعتبرونهم القيادة الشرعية للإسلام(26).
وإن أبرز شخصية تمثل هذا الاتجاه هو أبو محمد عبد الله بن أبي يعفور العبدي (ت131هـ/748م) ويعد من أوثق أصحاب الإمام الصادق. فضلا عن ذلك ما ورد عن الإمام الصادق من الثناء والمدح والتزكية بحقه إذ كان يقول أنه ما وجد أحدا اخذ بقوله وأطاع أمره وحذا حذو أصحاب آبائه غير رجلين هما: عبد الله ابن أبي يعفور وحمران بن أعين، ويعدهما الإمام مؤمنان خالصان من شيعتنا(27)، ويؤكد الإمام مرة ثانية هذا المدح والإطراء عليه من ناحية التزامه وطاعته لأوامر الإمام التي انفرد والتزم بها دون صحابته الآخرين(28).
يمكن النظر لهذا الإطراء الممنوح من قبل الإمام الصادق في حق عبد الله بن أبي يعفور على أنه دلالة واضحة على مسيرة هذه الشخصية التي لم يتخللها أي تعثر عقيدي، وكانت تنطلق أولاً وآخراً بالتزاماته بتعاليم الإمام وعدم الخروج عليها والتأثر بالهزات العقيدية التي عانى منها المجتمع الإمامي، لأنه قد استوعب مرتكزات العقيدة الإمامية وكان على علم واطلاع بتحركات بعض العناصر الغالية ذات العقائد والآراء المختلفة والمتناقضة، إضافة إلى التعليمات والوصايا الواردة عن الإمام الصادق والتي استوضح منها كثير من المسائل التي كانت مثار أخذ ورد بين المجتمع الشيعي حول طبيعة الإمام، فما أن ظهرت هذه الفرق الجديدة على الساحة حتى رفض بشدة جميع الأفكار التي ترفع الأئمة فوق بشريتهم، وقد جرى مرة بينه وبين المعلى بن خنيس(29) أحد أصحاب الإمام الصادق حوار حول هذا الموضوع إذ قال ابن أبي يعفور أن: الأوصياء علماء أبرار أتقياء، وقال ابن خنيس: الأوصياء أنبياء، قال: فدخلا على أبي عبد الله عليه السلام قال: فلما استقر مجلسهما، قال: فبدأهما أبو عبد الله علية السلام فقال: يا أبا عبد الله أبرأ ممن قال إنّا أنبياء(30). الذي يرى أن الأئمة هم في منزلة الأنبياء فما كان من الأمام إلا أن دعم وجهة نظر ابن أبي يعفور وخطأ المعلى بن خنيس بقوة.
نالت آراء عبد الله بن أبي يعفور الصريحة والشديدة تأييد واسع من قبل المجتمع الإمامي في ذلك العصر، وتجلى ذلك في موكب تشييع جنازته الذي شاركت فيه جموع غفيرة من الشيعة(31)، وشن الغلاة والمفوضة هجوماً شديداً على عبد الله بن أبي يعفور وأنصاره في حياته وبعد وفاته، وكانوا يهاجمونه أحيانا أمام الإمام الذي كان باستمرار يؤيده ويشجب مخالفيه(32)، وألقى هؤلاء على الجماهير الحاشدة التي اشتركت في تشييع جنازته لقب مرجئة الشيعة(33)، في محاولة لاتهامهم بضعف العقيدة ؛ لأنهم يعتقدون أن الأئمة من جنس البشر وليس من جنس الإله.
وقد ظهرت خلال عصر المهدي (158ـ 169هـ/774ـ785م ) فرقة شيعية تسمى اليعفورية تمتاز بآرائها المعتدلة لاسيما في المسائل الخلافية، إذ لا تعد منكر الإمامة كافراً(34) >
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ليس المقصود بـ المفوضة الذين يعتقدون بتفويض أفعال البشر إلى أنفسهم، أي: نسبة قضاء الخير وقضاء الشر إلى الإنسان مباشرة، إنما يقصد بهم هؤلاء الذين ادعوا إن الأئمة لهم القدرة على التصرف بالكائنات وأطلق فيما بعد على هؤلاء اسم المفوضة ، وهي مختلفة عن المفوضة في مبحث الجبر والاختيار. ينظر: التفويض ومعانيه. المجلسي، بحار الأنوار، 25/328.
(2) المفيد، أوائل المقالات، ص67 وما بعدها، ابن طاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص238 ؛ الإيجي، المواقف، 3/684؛ المجلسي، م. ن، 25/347.
(3) المفيد، أوائل المقالات، ص67 وما بعدها، ابن طاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص238 ؛ الإيجي، المواقف، 3/684؛ المجلسي، م. ن، 25/347.
(4) سورة المائدة، الآية:64.
(5) سورة الحجر، الآية: 28.
(6) سورة الكهف، الآية:110.
(7) سورة الأنعام، الآية:50.
(8) سورة الأعراف، الآية: 188.
(9) سورة آل عمران، الآية:49.
(10) سورة آل عمران، الآية:55.
(11) مصطلح يطلق على الذين ارتفعوا وطاروا في الغلو. المجلسي، بحار الأنوار، 25/264.
(12) الطوسي، اختيار معرفة الرجال، 2/615.
(13) النوبختي، فرق الشيعة، ص84 ؛ الطوسي، اختيار معرفة الرجال، 2/807.
(14) ابن طاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص227 .
(15) سورة الزخرف، الآية: 84.
(16) الطوسي، اختيار معرفة الرجال، 2/592.
(17) الشهرستاني، الملل والنحل، 1/180.
(18) الأشعري القمي، المقالات والفرق، ص61.
(19) سورة الرعد، الآية: 16.
(20) الصدوق، الاعتقادات في دين الإمامية، ص100.
(21) ابن الصفار، بصائر الدرجات، ص26 ؛ الكليني، الكافي، 1/183.
(22) الكليني، الكافي، 1/266.
(23) الكليني، الكافي، 1/261، المجلسي، بحار الأنوار، 26/111.
(24) ابن الصفار، بصائر الدرجات، ص408 ؛ الحر العاملي، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، 1/508.
(25) قال الوحيد البهبهاني: (إن كثيرا من القدماء لا سيما القميين منهم والغضائري، كانوا يعتقدون للأئمة(ع) منزلة خاصة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معينة من العصمة والكمال، بحسب اجتهادهم ورأيهم وما كانوا يجوزون التعدي عنها، وكانوا يعدون التعدي ارتفاعا وغلوا حسب معتقدهم، حتى إنهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوا، بل ربما جعلوا مطلق التفويض إليهم،أو التفويض الذي اختلف فيه، أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، أو الإغراق في شأنهم وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، وإظهار كثير قدرة لهم، وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض، جعلوا كل ذلك ارتفاعا مورثا للتهمة به، لا سيما بجهة أن الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلسين. وبالجملة، الظاهر أن القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأصولية أيضا، فربما كان شيء عند بعضهم فاسدا، أو كفرا، أو غلوا، أو تفويضا، أو جبرا، أو تشبيها، أو غير ذلك، وكان عند آخر مما يجب اعتقاده أو لا هذا ولا ذاك ). محمد باقر، الفوائد الرجالية، ( د. مط، د. ت )، ص28.
(26) الطوسي، اختيار معرفة الرجال،2/515.
(27) الطوسي، اختيار معرفة الرجال،2/514.
(28) اختيار معرفة الرجال،2/519.
(29) المعلى بن خنيس المدني الكوفي، الهاشمي بالولاء، أبو عبد الله. محدث إمامي تضاربت الآراء في حقه، فمنهم من صرح بأن الإمام الصادق علية السلام شهد له بالجنة، وكان محموداً عنده ومضى على منهاجه، وكان من مواليه، ومنهم من قال بأنه كان ضعيفا جدا لا يعول عليه، وله كتاب. قبض عليه داود ابن علي العباسي وقتله ثم صلبه في زمن الإمام الصادق علية السلام.
النجاشي، الرجال، ص417 ؛ الطوسي، اختيار معرفة الرجال، 2/675 ـ 679 ؛ الخوئي، معجم رجال الحديث، 19/257 ـ 269؛ الشبستري، أصحاب الإمام الصادق، 3/273.
(30) الطوسي، اختيار معرفة الرجال،2/515.
(31) الطوسي، اختيار معرفة الرجال،2/515.
(32) م. ن،2/515.
(33) م. ن، 2/516.
(34) الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص49 ـ 50.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2050


خدمات المحتوى