المتواجدون الآن


تغذيات RSS

دليل الفطرة
دليل الفطرة
21-01-2011 12:36
الكاتب: د. خليل الطباطبائي
بسمه تعالى
أدلة اثبات وجود الله سبحانه وتعالى

أهمية الايمان في حياة الانسان :
للايمان بالله سبحانه وتعالى أهمية كبرى في حياة الانسان ، وذلك لأن القانون الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يريد أن يتبعه، ويرجو به السعادة في الدنيا، يعتمد على ذلك بشكل كامل . كما أن سعادة الانسان في الآخرة ونجاته من العذاب والهلاك تعتمد على مدى ايمانه بالله سبحانه وتعالى والتزامه العملي بذلك. اذا هي مسألة في غاية الأهمية ، ويمكن القول بأنه لا يوجد في حياة الانسان ما هو أهم منها ، لأن فيها السعادة والنجاح في الدنيا ، والنعيم الخالد في الآخرة.
واذا كان الايمان بالله بهذه الدرجة من الأهمية ، فلاعجب اذا كان ذلك يستدعي أن يكون البحث عنه بشكل مفصل وباسلوب عملي وعقلي دقيق لكي يصل الانسان الى درجة اليقين والقناعة التامة في صحة معتقدة وايمانه ويدفعه هذا الايمان الراسخ العميق الى الالتزام الكامل بأوامر الله سبحانه وتعالى وواجباته ، والابتعاد كليا عن نواهيه ومحرماته .
وقد تطرق العلماء والفلاسفة الى أدلة وبراهين كثيرة في اثبات وجود الله سبحانه وتعالى ، لذلك نرى من المفيد في بداية هذه السلسلة من المقالات أن نلخص هذه الطرق لكي يكون موقع كل بحث من البحوث الآتية واضح للقارىء الكريم.

أدلة اثبات وجود الله سبحانه و تعالى
توجد عشرات الأدلة و البراهين في اثبات وجود الله سبحانه و تعالى ، نلخصها في مايلي:
1- دليل الفطرة
2- الأدلة الحسية و العلمية (من خلال دراسة نظام المخلوقات)
• دليل النظم
• دليل الهداية الذاتية للمخلوقات
• دليل الحدوث ونفي القدم عن العالم
• دليل الاستقراء ونفي الصدفة والاحتمال
3- الأدلة العقلية و الفلسفية:
• برهان الحركة ل(أرسطو)
• برهان الامكان والوجوب ل(ابن سينا)
• برهان الصديقين ل (الملا صدر الدين الشيرازي)
• دليل العلة والمعلول ونفي الدور والتسلسل
• برهان الوجوب والضرورة
4- الأدلة القرآنية: وهي كثيرة ، ومن أهمها:
• برهان الفقر والامكان للمخلوقات
• الافول والغروب ودلالته على وجود مسخر
• الآيات في الآفاق والانفس.
• برهان النظم
• برهان التدبير



أولا "دليل الفطرة"
تعريف الفطرة:
في قاموس اللغة: " الفطرة تعني الخلقة التي خلق عليها المولود في رحم أمه "
وفي أقرب الموارد " الفطرة هي الصفة التي يتصف بها كل مولود في أول زمان خلقته ".
فاذن معنى الفطرة هو الطبيعة الجسمية والنفسية التي يخلق بها الانسان، اذ يولد في الدنيا وتولد معه الغرائز والأحاسيس والعواطف والقابليات. انها الانسان بما هو قبل أن يتأثر بأفكار أسرته ومعلمه ومجتمعه.
شرح الدليل:
ودليل الفطرة يعتمد على أن الانسان لو ترك وذاته، بدون معلم أو مربي، فانه يشعر في أعماق نفسه ، وبما أودعه الله في خلقته بأن لهذا الكون خالقا خلقه ، ومكونا كونه ، ومبدعا أبدعه ، ومدبرا دبره. هذا الشعور نابع من فطرته وذاته وليس مما تعلمه من والديه وأهله. يولد معه، وينمو معه، ويبقى معه. لا يتغير بتغير الظروف، ولا يمكن انتزاعه من نفسه، لأنه جزء لا يتجزء منها. فكما أن غرائز الانسان ذاتية له لا يمكن فصلها عنه ولا تحتاج الى تعليم معلم ، وكما أن عواطف الانسان وأحاسيسه جزء من خلقته وكيانه البشرى ، فان شعوره الفطري الذاتي يدفعه دائما الى الايمان بأن لهذا الكون خالقا ومدبرا وربا.
ولو افترضنا انسانا يولد في الصحراء بعيدا عن تعليم الأهل والمجتمع، ثم يكبر هذا الانسان حتى يبلغ سن الرشد ، فانه كما يعرف غرائزه وأحاسيسه، فسيعرف أن له ربا وخالقا، خلقه وأوجده من العدم . وكما يعرف أنه يحتاج الى الطعام لسد جوعه ، والى الشراب لإرواء عطشه ، والى الجنس لإطفاء شهوته ، وغيرها من الغرائز في ذاته، فانه ليعرف كذلك من خلال فطرته بأنه بحاجة الى خالق لخلقه، وموجد له يوجده من العدم. انه يبحث بذاته ويتساءل: من أين جاء؟ والى أين سيذهب ؟ ، ولماذا هو في هذه الدنيا؟ ولابد أن يكون له خالقا خلقه وكونه وأبدعه. فهو يؤمن بوجود الله سبحانه وتعالى ويتوجه اليه في حاجاته- وخصوصا عند الشدائد- بدون حاجة الى من يعلمه ذلك .
هذه خلاصة دليل الفطرة، ولإثباته وتوضيحه لابد لنا أن نتعرف على الفرق بين الفطرة والغريزة لكي لا يلتبس الامرعلينا .
الفرق بين الفطرة والغريزة:
الفطرة هي أشمل من الغريزة اذ تجمع بين الغريزة والاحاسيس ، والافكار والمعلومات الأولية التي يعرفها كل انسان بدون حاجة الى معلم ومربي ، وهي العلوم البديهية الضرورية ، ويشترك فيها كل انسان لانها جزء من انسانيته ، ومما يمتاز به عن غيره من المخلوقات الأخرى مثل الحيوان والملائكة والجن.
والفطرة تدفع الانسان نحو الكمال والرقى ، بينما الغرائز لا جهة لها سوى تأمين الحاجة الانسانية المعينة التي يحتاج اليها جسمه .
والفطرة تهتدي بهدى العقل ، أما الغريزة فهي لا ترجع الى المعرفة لانها أحاسيس جسمية ، ولكن العقل يمكنه أن ينظمها ويرشدها الى الكمال الانساني .

الفرق بين المعرفة الفطرية والمعرفة غير الفطرية (الاكتسابية) :
من الضروري هنا أن نعرف الفرق بين المعرفة الفطرية والمعرفة غير الفطرية (الاكتسابية) لكي نطمئن الى أن الايمان بالله من الامور الفطرية وليس من رواسب البيئة والتربية . وهذه الفروق هي ما يلي:
1- المعارف الفطرية تتحقق بوحي الفطرة وهدايتها ولا تحتاج الى تعليم معلم لتحققها ، ويكون دورالمعلم تربيتها وتهذيبها.
أما العلوم والمعارف الغير فطرية مثل تعلم الطب والهندسة والتاريخ والآداب وغيرها، فانها تحتاج الى تعليم معلم لكي يتعلمها الانسان وبدونه يبقى جاهلا بها.
2- العلوم والمعارف الفطرية عامة لكل البشر وتوجد في كل انسان بغض النظرعن ثقافته أو موقعه الجغرافي ، أما الأمور الغير فطرية فهي تختص ببعض الناس دون غيرهم ، فمن أمكن له أن يتعلمها عرفها ، ومن لم تسنح له الفرصة لذلك يبقى جاهلا بها.
3- المعارف الفطرية ، لا تخضع للعوامل الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها ، أما المعارف والامور الغير فطرية فانها تتأثر بالعوامل المختلفة لأنها اكتسابية .
4- الدعاية والاعلام قد تضعف أثر القناعات الفطرية ولكن لا يمكنها أن تزيلها كليا لأنها جزء لا يتجزء من الانسان ، أما العلوم الغير فطرية فانها قد تستأصل كليا بالدعاية وما تسببه من غسيل لدماغ الانسان وتغيير في أفكاره وقناعاته ، وذلك لأنها مكتسبه ويمكن استبدالها بمفاهيم وعلوم مكتسبة اخرى تتغلب عليها.

الفطرة وعلم النفس:
يقوم علم النفس على دراسة النفس الانسانية من جوانب مختلفة. ويذكر علماء النفس للانسان ميول وأحاسيس طبيعية متعددة يختلفون في تحديدها وعددها ، ولكنهم متفقون بشكل عام على ان الانسان له الاحاسيس الفطرية التالية:
1- الاحساس باللذة والألم
2- الاحساس بالعواطف والشهوات.
3- الميول الشخصية مثل حب الذات والرغبات الجنسية التي هدفها الانسان نفسه .
4- الميول الراقية التي تدفع الانسان نحو الكمال مثل:
• حب الاستطلاع والبحث عن الحقيقة الذي يدفع الانسان لاكتشاف العلوم المختلفة ويؤدي الى التقدم العلمي.
• حب الجمال: ويدفع الانسان الى الابداع في مجال الفن والرسم والتخطيط الاجتماعي للبيوت والمدن.
• حب الخير: وهو سبب وجود الاخلاق الفاضلة والصفات الانسانية الحميدة .
• حب التدين: وهو الاحساس بوجود الله سبحانه وتعالى الذي يدفع الانسان الى الايمان به والالتزام بالدين الذي أنزل من الله سبحانه وتعالى.
ومن هنا نرى أن الفطرة الانسانية تجد في اعماقها دافع الايمان بالله سبحانه وتعالى وحب الالتزام بالدين ، مثلما تحس بأهمية الاخلاق الفاضلة وحب الجمال والاستكشاف للعلوم الطبيعية الذي ادى الى تطور البشرية في المجالات التقنية والعلمية. فالدين والاخلاق وحب الاستطلاع وحب الوطن كلها قيم انسانية حقيقية تنبع من ذاته وفطرته ولا تحتاج الى تعليم معلم ، بل تحتاج الى تهذيب وتوجيه لكي تقود الانسان الى الكمال والرقى والتقدم والسعادة والرفاه.

دليل الفطرة في القرآن الكريم:
يشير القرآن الكريم الى دليل الفطرة لمعرفة الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى:
1- (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) سورة الروم ، آية30
2- (واذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين اليه ثم اذا أذاقهم منه رحمة اذا فريق منهم بربهم يشركون ) سورة الروم ، آية 33
وهذه الاية الكريمة تشير الى نقطة مهمة وهي ان الانسان في حالة الضر والحاجة الصعبة التي لا يمكن لاي جهة مادية حلها وتامينها ، فانه لا خيار له سوى الرجوع الى المعرفة الفطرية التي تربطه بالله سبحانه و تعالى ، لذلك يتوجه لربه ويدعوه باخلاص وتضرع. ولكن اذا اذاقه الله رحمة فانه يتنكر لفطرته ويتبع ما تعلمه من الناس من مفاهيم مادية والحادية مغلوطة ، فيرجع الى الشرك بربه والكفر بخالقه ورازقه .
فاذن يتجلى الايمان الفطري بالله سبحانه وتعالى في لحظات الضر والحاجة والفقر والفاقة ، والانقطاع من امكان الحصول على نفع من الناس لعجزهم عن مساعدته. في مثل هذه الظروف القاهرة التي تبين لذات الانسان ضعفه وضعف المخلوقات كلها ، يتوجه بوحي من فطرته الى الله سبحانه وتعالى لانه يعلم ان الله قادر على مساعدته وانقاذه من محنته.

الفطرة في الأحاديث الكريمة:
وردت الاشارة الى التوحيد و المعرفة الفطرية في كثير من الأحاديث الكريمة لأهل البيت عليهم السلام. ومن هذه الاحاديث ما يلي:
1- قال النبي (ص): " ما من مولود الا يولد على الفطرة ثم أبواه يهودانه أو ينصرانه او يمجسانه" ، ثم قال (ص): " فطرة الله التي فطر الناس عليها"
2- عن زرارة ، عن أبي عبد الله الصادق (ع): قال سألته عن قول الله عز و جل: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال: فطرهم على التوحيد .
3- عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله الصادق (ع): قال سألته عن قول الله عز و جل " فطرة الله التي فطر الناس عليها " ما تلك الفطرة؟ قال (ع): هي الاسلام ، فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد فقال: " ألست بربكم " وفيه المؤمن والكافر.
4- عن عبد الله بن كثير عن أبي عبد الله الصادق (ع) في قول الله عزوجل: " فطرة الله التي فطر الناس عليها " قال (ع): التوحيد ومحمد رسول الله وعلي أمير المؤمنين.
5- سأل محمد بن حكيم من الامام الصادق (ع) عن المعرفة من صنع من هي؟ فقال (ع): " من صنع الله ، ليس للعباد فيها صنع".
6- وقال الامام علي (ع): في نهج البلاغة (الخطبة الاولى): " فبعث فيهم رسله ، وَوَاترإليهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسى نعمته ، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول ".
ونرى من خلال هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وغيرها كثير ، أن الفطرة الانسانية جبلت ليس فقط على الايمان بالله سبحانه و تعالى وانما أيضا على الايمان بنبوة النبي محمد (ص) وعلى الايمان بامامة وولاية علي ابن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام).
وكذلك نرى بعض الآيات والأحاديث تشير الى أن هذه المعرفة الفطرية كانت في "عالم الذر" حين أخذ الله ميثاق بني آدم على معرفته وتوحيده بقوله تعالى "ألست بربكم" فأجابوا جميعا " بلى" وكان الجواب من جميع البشر سواء منهم من سوف يؤمن بالله في دار الدنيا ومن يتنكر للمعرفة الفطرية ويكون كافرا وملحدا بالله تعالى.
والحديث عن عالم الذر وتفاصيل ما جرى فيه يحتاج الى تفصيل عسى أن نوفق له في وقت آخر.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3334


خدمات المحتوى