المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
مقالات إسلامية
"نظرية داروين بين الحقيقة والأوهام"
"نظرية داروين بين الحقيقة والأوهام"
27-02-2011 01:37
الكاتب: د. السيد خليل الطباطبائي
"نظرية داروين بين الحقيقة والأوهام"



طالعتنا الصحف ووسائل الاعلام العالمية في الشهر الماضي بخبر مثير وهواكتشاف الخريطة الوراثية للانسان. ومن المعلوم ان خلايا الانسان تحوي على 23 زوج من الكروموسومات وكل زوج من الكروموسومات يحمل الاف الجينات (المورثات) التي تنقل الخصائص الوراثية من الابوين الى الابناء ويكون كل انسان بشكله الذي هو عليه حسب نوع الجينات التي يحملها. و كان الاعتقاد السائد سابقا ان لدى الانسان حوالي سبعين الف جين ولكن الاكتشاف الجديد وجد لدى الانسان ثلاثين الف جين ينقل ثلاثة مليارات حرف تكون الرمز الوراثي للانسان. ونظرا الى ان اكتشاف هذه الجينات يعني امكانية معالجة الكثير من الامراض التي تنتقل بالوراثة وكذلك يمكن تحسين النسل والتصرف مسبقا في شكل المولود بتغيير جيناته، لذلك فان هذا الامر يعد اهم اكتشاف علمي منذ خمسين عاما، اذ ستكون له اثارا طبية واقتصادية واجتماعية واخلاقية مختلفة تقتضي دراستها وتشريع القوانين اللازمة بشانها لكي تكون في خدمة البشرية ولا تتحول وبالا عليها. وقد اعلن خبر اكتشاف الخريطة الوراثية للانسان في مؤتمر صحفي في 12 فبراير في واشنطن وحضر المؤتمر عدد كبير من المراسلين الصحفيين ومسؤولي المحطات التلفزيونية المختلفة. الى هنا والحديث علمي يتحدث عن تقدم الانسان في اكتشاف بدائع خلق الله سبحانه وتعالى وعظيم قدرته ودقة صنعه الذي اتقن كل شيء خلقه ثم هدى. فتبارك الله احسن الخالقين. ولكن بعض اساتذة الاحياء الملحدين ووسائل الاعلام الموجهة ضد الدين حاولت تصوير الامر على انه اكتشاف علمي يدعم نظرية داروين وان نظرية داروين تعني عدم وجود الله الخالق للكون. ولما كان اكتشاف الخريطة الوراثية للانسان لاعلاقة له بنظرية داروين وكذلك فان نظرية داروين لاتنفي وجود الله سبحانه وتعالى، يلح سؤال مهم بالبال عن المبررات و الدوافع الاساسية لهذا الزيف و الالحاد المتعمد.
الكنيسة والعلم:
بدأ انفصال العلم عن الدين في القرن السابع عشر الميلادي، حيث كانت الكنيسة في روما تحكم العالم الغربي، وكانت تروج باسم الدين لنظريات علمية على انها حقائق مذكورة في الكتاب المقدس ويجب الايمان بها حتى لو كانت مخالفة للاكتشافات العلمية. ويذكر التاريخ محاكم التفتيش التي طالت حوالي اربعين الف من العلماء الذين جاؤوا باراء ونظريات علمية اعتبرتها الكنيسة مخالفة لتعاليمها وحكمت عليهم بالاعدام. ومنذ ذلك التاريخ حدث انفصال الدين عن العلم والسياسة عن الدين وصار شعارهم "ما لله لله وما لقيصر لقيصر". ولما كان الاساتذة والعلماء في مختلف العلوم الحياتية قد اكتشفوا حقائق كثيرة بقيت الذكرى السيئة لمحاكم التفتيش في ذاكرتهم. وحاول قسم منهم الثار لنفسه وزملاءه بالتاكيد على خطأ ماورد في الكتاب المقدس وبالتالي الشك في الايمان بالله سبحانه وتعالى. ومن هنا نعلم أن الصراع هو بين علماء الطبيعة والمسيحية المتمثلة بالكنيسة. وهذا الامر لاعلاقة له اطلاقا بالاسلام و تعاليمه، لان الحقائق العلمية المذكورة في القران الكريم هي احدى دلائل اعجاز القران الكريم لأنها ذكرت قبل الف واربعمائة سنة واكتشفها العلم الحديث بعد ذلك بقرون كثيرة وان بعض الحقائق عرفت في القرن العشرين مثل توسع السماء، وامكان اختراق السماء
فالمسألة اذن ليست هي اكتشاف حقائق علمية تعارض الحقائق الدينية وانما هو ردة فعل من علماء الطبيعة والاحياء تجاه الكنيسة ومعاناتهم التاريخية منها. ولنأتي الى دراسة نظرية داروين لنتعرف على قيمتها العلمية بعيدا عن التعصب وردود الفعل، والتحريف باسم العلم لمصلحة الفكر المادي والالحادي الذي يسود اوروبا حاليا.
نظرية داروين:
ان تشارلز روبرت داروين (1809-1882) في كتابه "حول اصل الانواع بواسطة وسائل الانتخاب الطبيعي او بقاء الاصلح في صراع الحياة" والمطبوع سنة 1859 يذكر مشاهداته في دراسة الاحياء المختلفة ونظرا للتشابه الموجود فيما بينها يفترض ان الكائنات الحية بدأت من أصل واحد, ربما من خلية واحدة تطورت بفعل العوامل الطبيعية والطفرة الوراثية الى كائنات أعلى رتبة وهكذا يستمر التطور الى أن يصل الى الحيوانات الفقرية ثم الانسان. وبذلك فان اجداد الكائنات الحية ومنها الانسان هو اصل واحد من خلية واحدة والعملية الميكانيكية التي يتم بها هذا التطور هي أولا تاثير البيئة التي عاشت فيها هذه الكائنات طوال ملايين السنين، وثانيا حدوث طفرات وراثية تؤدي الى نشوء كائن جديد ربما أكثر تطورا وتعقيدا من الكائن الذي سبقه. ويؤكد الدكتورسبنسر بارت أستاذ قسم الأحياء في جامعة تورنتو في محاضرته حول التطور (بان هذا التطور انما يحدث بشكل عشوائي تماما ولا تحكمه الا الصدفه. فليس هناك- حسب رايه- أية قوة هادفة ولا علة معينة تتدخل في توجيه هذا التطور، و انما يحدث بشكل عشوائي، فاحيانا يتطور نحو الاحسن و احيانا عكس ذلك).
و يضيف"ان الانتخاب الطبيعي لاغاية له ولا اتجاه ولا هدف، ليس حتى لبقاء الانواع. ان التطور والانتخاب الطبيعي هو مثل العواصف الثلجية والجاذبية موجودة كما هي" ويؤكد على رأيه في عدم وجود هدف وغاية في التطور بقوله" بعض الناس يعادلون التطور بتقدم شكل الحياة من الاسفل الى الاعلى، ولكنه من المستحيل ان تحدد اي معايير غير اعتباطية يمكن قياس التقدم بواسطتها. ان كلمة التقدم نفسها تعني الجهة، بل التقدم نحو الهدف، ولكن لا احد منهما تعطيه الية طبيعة التطور العمياء والغير شخصية كليا" ويعني بها أن القوانين التي تحكم التطور هي قوانين عمياء، لا تدخل من أي شخص فيها لذلك ليس لها جهة تقدم او تأخر، ولاهدف امامها تتطور نحوه ولا غاية تروم الوصول اليها. ويؤكد المعنى ثانية بقوله" بالرغم من سوء الفهم الشائع، فان التطور ليس موجها نحو ظهور النوع الانساني الاعلى او الاكثر تطورا. وان داروين قد ذكر نفسه في مذكراته بانه لايجب ان يقول اعلى او اسفل حينما يشير الى اشكال الحياة المختلفة".
خلاصة افكار الدكتور سبنسر
هذه خلاصة افكار الدكتور سبنسر بارت التي يدرسها لطلاب جامعة تورنتو ويحذو حذوه باقي اساتذة الاحياء الذين يدرسون في كليات العلوم الكندية والامريكية المختلفة، اذ يتبنون نظرية داروين بشكل قاطع ويحاولون جهدهم تلو محاضرات عديدة اقناع الطلاب بصحتها وعدم وجود هدف وعلة لخلق الانسان في هذه الحياة لانها صدفة في صدفة- حسب زعمهم-
مناقشة نظرية داروين
في المقدمة لا بد أن نتعرف على خلاصة نظرية داروين والأسباب التي دعته الى تبني نظرية النشوء والتطور. ويبدو ان الذي دعاه الى القول بنظريته عن اصل الانواع وانها خلية واحدة تطورت باتجاهات مختلفة حتى تكونت الحيوانات ومنها تطورت الى الانسان، هو أنه رأى ان الخلية الواحدة تقوم بكل الافعال الحياتية التي يقوم بها الانسان، فهي تاخذ الاكسجين وتستفيد منه وهذا يشبه الجهاز التنفسي، وهي تاكل الطعام وتدفع الفضلات وهذا يشبه الجهاز الهضمي، وهي تحس بالخطر فتتجنبه وهذا يشبه الجهاز الحسي وهكذا الفعاليات الاخرى. ولكن بدراسة الحيوانات المختلفة نرى ان تطور الاجهزة فيها على مراحل متعددة، فمثلا جهاز الدوران متطور قليلا لدى الحشرات عما هو عليه في ما دونها من الحيوانات، ولكنه متكامل في الحيوانات العليا مثل الانسان. و جهاز التنفس متطور قليلا في الاسماك عما عليه في كائنات دونها ولكنه متكامل بشكل واسع في الانسان مثلا. وهكذا الجهاز العصبي والعظمي والهضمي وباقي اجهزة الجسم. لذلك فان داروين افترض بان هذه الاشكال المتشابهة من الاعضاء لابد أن تكون قد نمت من مصدر اولي واحد وهو الخلية الاولى، وان التطور لابد ان يكون قد حدث بسبب" yes"> وراثية" وان هذه الطفرات لا بد ان تكون بسبب العوامل البيئية والطبيعية المختلفة المحيطة بالكائنات الحية والضاغطة عليها فتحدث الطفرات الوراثية فالتطور.
ونورد على هذه النظرية وعلى اكتشاف الخريطة الوراثية للانسان الملاحظات التالية:
ان ملاحظة التشابه بين المخلوقات المختلفة لا يعني بالضرورة ان احدهما كان سببا للاخر ولكن تعني ان خالقها واحد لا شريك له، فان وحدة المخلوق تدل على وحدة الخالق. ان دراسة الذرة ودوران الالكترون حولها، تشبه دوران المجموعة الشمسية حول الشمس ودوران الشمس وملايين الكواكب مثلها حول المجرات المختلفة. وهذا التشابه لا يعني ان اصل خلق الشمس كان من ذرة واحدة تطورت ولكن تعني ان الخالق الذي خلقها هو واحد ولذلك فان اثاره متشابهة وواحدة كما يعبر عنها بيت الشعر:
و في كل شيء له اية تدل على انه واحد
واننا لو رأينا ابنية متشابهة هندسيا ومن نمط واحد، لانقول ان احدها سبب للاخر ولكن نقول ان المهندس الذي صممها واحد وهذا ذوقه في الفن الهندسي. وكذلك فان كل شاعر من الشعراء له نمط خاص يعرف به ويميزه عن شعر غيره بالرغم من ان الشاعر ينظم عشرات القصائد في المضامين المختلفة. وهكذا فاننا نعزي التشابه في عمل الكائنات الحية الى وحدة الخالق لها لذلك نجد اثار قدرته واعجازه في كل واحد منها. فان الخلية الحية الواحدة التي لاتملك اي جهاز متخصص تقوم بكل الفعاليات التي يقوم بها الانسان الذي يحوي على مائة الف مليار خلية في كل اجهزة جسمه. افليس معنى ذلك ان خالقها واحد وان هذا اثر من اثار قدرته على الابداع و النظام؟.
2- اذا اردنا ان نقول بان هذه الكائنات المتشابهة مخلوقة بالتسلسل بعضها من البعض الاخر- حسب اصرار داروين وامثاله فلابد أن يكون الانسان الذي يحوي مليارات الخلايا هو الاصل الاول لها ومنه خلقت باقي الكائنات وليس العكس، لان القاعدة العقلية تقول: "فاقد الشيء لا يعطيه" فالخلية الواحدة ليس فيها جهاز تنفسي ولا يمكن ان تكون رئة وقصبات ومجاري للهواء. وكذلك فان القرد الذي لا عقل لديه لايمكن ان يكون اصلا للانسان الذي يملك عقلا كاملا متطورا. والحيوانات التي ليس فيها عظام لايمكن ان تكون عظاما لغيرها. ان الغني هو الذي يعطي الفقير فيغنيه وليس العكس. فلماذا لاتفترض النظرية ان الاصل الاول للمخلوق هو الانسان الكامل ومنه خلقت باقي الأشياء في الكون. لان الانسان الكامل لديه كل أنواع الخلايا المتخصصة وبامكانه أن يكون سببا لغيره. ونرى في بعض الروايات التي يرويها العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان -الجزء الأول- عن بحار الانوار في أخبار الطينة عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: قلت لرسول الله (ص) أول شئ خلق الله ما هو؟
فقال نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير.." والرواية طويلة فيها تفصيل ليس هذا وقت بيانه
. 3- ان افتراض تأثير"العوامل الطبيعية" في الكائنات الحية لتوجد فيها "طفرة وراثية" هو خيال واسع لا يوجد ما يدل عليه اطلاقا. واذا كانت بعض الكائنات الحية لديها القدرة على التكيف حسب حاجتها كما تنمو عضلات المصارع بالرياضة، فان ذلك من طبيعة العضلات الموجودة وحسب تركيبها وخلقها وليس له أي علاقة بالطفرة الوراثية التي تؤدي الى ايجاد كائن اخر. فان خلق أي كائن لابد أن يكون لسبب معين، واذا كانت الكائنات الدنيا لا تمتلك مقومات التطور فلا يمكن أن يحصل فيها ذلك أن الشئ لا يأتي من لا شئ، والوجود لا يأتي من العدم. ولم يتمكن علماء الأحياء من ايجاد دليل واحد على دعواهم هذه. فاما أن نفترض وجود مقومات للنمو والتطور في أصل الخلية الأولى كما في البيضة المخصبة والتي تكون الانسان وأما أن يكون غير ذلك مستحيلا.
4- لو كانت "العوامل الطبيعية" هي السبب في ايجاد "الطفرات الوراثية" في الكائنات الحية, فلابد أن نرى حاليا بعض الطفرات التي تطبق نفس القانون. فمثلا حياة القرود في عالم متطور في الفكر ويملك الكمبيوتر والعلوم المختلفة ومتقدم في كل مجالات الحياة فلابد أن يؤثر فيها ذلك لتتطور الى الانسان بسبب "طفرة وراثية" فلماذا لم يحدث هذا اطلاقا، بل ولا حدث ما هو أقل منه في أي كائن حي اخر؟ وكذلك حاجة الانسان الى ارسال حيوانات في الفضاء ليرى تأثير البيئة عليها, وكذلك سعيه لصنع "الروبوت" ليقوم ببعض الأعمال بدلا منه, كل ذلك كان بامكانه أن يوجد طفرة وراثية ويوجد حيوان جديد بامكانه القيام بهذه الأمور. أليس في ذلك دليل على عدم صحة هذه النظرية؟
5- ان اكتشاف الكروموسومات في خلايا الكائنات الحية واكتشاف الخريطة الوراثية للجينات يدل على عدم امكانية تغيير طبيعة كل كائن حي، لأن صفاته الوراثية تنبع من هذا العدد من الجينات الموجودة على الكروموسومات المختلفة. ونلاحظ طبيا أن زيادة كروموسوم واحد أو نقصانه يؤدي الى ولادة انسان مريض ومتخلف عقليا كما هو الحال في الطفل المنغولي وعارض تيرنر وأمثالهما من حاملي الأمراض الخلقية والوراثية. وهذه الزيادة أو النقيصة في الكروموسومات للانسان لم تؤد الى طفرة وراثية توجد مخلوقا اخر وذلك بالرغم من وجود الملايين من حاملي هذه الأمراض وكثرة العوامل الطبيعية في هذه الأيام والتي يمكن أن تحدث طفرات وراثية- ان صحت نظرية داروين- مثل الاشعة الكهرومغناطيسية وأشعة اكس والمايكرويف والاشعة الفوق بنفسجية وغير ذلك من عوامل. ومن الملاحظ أن هذه العوامل وغيرها تؤدي الى نشوء السرطان في مختلف أجهزة الجسم والسرطان عبارة عن نمو وتكاثر غير مسيطر عليه لبعض خلايا الجسم. فاذا كانت العوامل الطبيعية في هذه الأيام تؤدي الى كثرة نشوء السرطان، فانها يمكن أن تؤدي الى طفرات وراثية- حسب نظرية داروين- في مختلف الحيوانات لتظهر حيوانات جديدة أخرى غيرها, ولكن هذا لم يحدث اطلاقا مما يدل على عدم صحةالنظرية.
6- لو افترضنا جدلا صحة نظرية داروين، فلماذا يصر أساتذة الجامعات الغربية على أن ذلك دليل على عدم صحة الأديان السماوية وبالتالي عدم وجود الله سبحانه وتعالى. ربما كان السبب في فهمهم هذا هو أن الأديان السماوية تذكر أن الله سبحانه وتعالى خلق ادم وحواء وأنزلهما من الجنة الى الأرض، وهذا يعني عدم تدرج خلقهما ضمن مراحل مختلفة- حسب نظرية داروين- ولكن لو راجعنا الروايات الواردة في خلق ادم (على نبينا وعليه السلام) نجد أن خلقه استغرق وقتا طويلا جدا ولم يكن دفعيا. وهناك نصوص كثيرة تستحق الدراسة والتمحيص ونكتفي بذكر ما قاله أمير المؤمنين علي عليه السلام في الخطبة الاولى من نهج البلاغة في صفة خلق ادم عليه السلام، حيث قال عليه السلام "ثم جمع- سبحانه- من حزن الأرض وسهلها، وعذبها و سبخها، تربة سنها بالماء حتى خلصت، ولاطها بالبلة حتى لزبت. فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول، وأعضاء وفصول. أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت لوقت معدود وأمد معلوم. ثم نفخ فيها من روحه فمثلت انسانا....." ونرى في هذا النص أن الله سبحانه وتعالى جمع تربة من حزن الارض أي ما غلظ منها وما سهل، ومن عذبها ومالحها ومزجها بالماء حتى اشتدت وصارت طينا لازبا يلصق باليدين لاشتداده ثم جعلها صلبة متينة من صلصال اي طين يابس لم يطبخ ثم بقي هذا الصلصال لوقت معدود وأمد معلوم لا يعلمه الا الله والراسخون في العلم، والذي يبدو من بعض الروايات أنه كان ألفي عام وكان ابليس يمر به ويقول في نفسه لامر ما خلقك الله، ولا ندري ألفي عام من أعوام الدنيا أم من أعوام الاخرة والتي يعادل كل يوم منها ألف سنة من سنين الدنيا. وهذا البحث طويل لا مجال للخوض فيه ويحتاج الى دراسة مستقلة، ولكن في معرض الرد على أساتذة الأحياء نقول: لو افترضنا جدلا صحة نظرية داروين فان ذلك لايعني عدم صحة الأديان السماوية وعدم وجود خالق لهذا الكون فان ملايين السنين التي مرت بها خلقة ادم عليه السلام لانعلم كيفيتها وتفاصيلها. ولكن مع ذلك لايوجد ما يشير الى خلق الانسان من حيوانات دنيا لعدم امكان ذلك علميا وفلسفياً كما سيأتي.
هذا من جهة ومن جهة أخرى لو افترضنا أن نظرية داروين تنافي ما ورد في التوراة عن خلق ادم (عليه السلام) فان ذلك يدل على عدم صحة الرواية الموجودة في التوراة الحالية ولا يدل على عدم صحة كل الاديان السماوية، كما لا يدل على عدم وجود خالق ومدبر لهذا الكون، فان الخالق لابد و أن يكون موجودا وحيا ومدبرا حتى وان كانت بعض النصوص محرفة بفعل عوامل تاريخية كثيرة. ولو استعرضنا الايات الكونية الموجودة في القران الكريم فاننا نرى أن العلم يكتشف تدريجيا حقائق القران العلمية والتي لم تكن معروفة للبشرية حين نزول القران قبل أكثر من الف واربعمائة سنة. ولم ولن يحدث أن يخالف نص من نصوص القران الكريم أي حقيقة علمية ثابتة، وتكفي مراجعة كتاب "القران والكتاب المقدس والعلم" للدكتور موريس بوكالي الفرنسي دليلا على ما نقول.
7- لو افترضنا جدلا صحة نظرية داروين، فان ذلك لايعني الغاء قانون العلة والمعلول كما يقوله أساتذة الأحياء في الجامعات الكندية والأمريكية. وتعبير "الصدفة" و"العشوائية" تعبير غير علمي وخاطئ اذ لاتوجد ظاهرة في الوجود من دون موجد، ولايوجد معلول ومخلوق من دون علة وخالق. على أننا لو ألغينا قانون العلية كما يذكره أساتذة الأحياء، فمعنى ذلك عدم امكان اثبات أي حقيقة علمية وانهيار كل العلوم الطبيعية التي يؤمنون بها، بل الغاء النظام في المجتمع. فكيف نثبت أن الحرارة تمدد الفلزات اذا لم تكن الحرارة "علة" لذلك؟ وكيف نثبت أن الأولاد لأبويهم اذا لم يكونوا "علة" لوجوده؟ وكيف نثبت أن رصاصة القاتل هي التي قتلت الضحية اذا لم تكن الرصاصة "علة" لقتله؟وكيف نثبت أن قنبلة الارهابي هي التي فجرت هذا المبنى اذا ألغينا قانون العلة والمعلول؟ ان هذا القول من السخف بمكان لا يستحق التعليق عليه، ومع ذلك يؤسفنا ان نسمع أساتذة كبار في الجامعات يلغون قانون العلية لاثبات نظرية داروين، ولا يعلمون بانهم يلغون العقل والمنطق ويعطلون الفكر الانساني ارضاء لغاية في نفوسهم في الدفاع عن الالحاد والفكر العلماني، ويستغلون وسائل الدعاية والاعلام وأساليب غسل الدماغ لتحقيق ماربهم وهو مما يؤسف له أن يهبط العلم والبحث العلمي الى الحضيض.
8- بقيت مسألة اخرى مهمة وهي أن حقيقة الانسان وروحه مختلفان كليا عما عليه الحيوان والنبات، ولا يمكن بحال من الأحوال انتقال روح الحيوان الى الانسان (الذي حدث بطفرة وراثية حسب ما يدعون). ان بحث الروح شيق وعميق يحتاج الى دراسة مستقلة، ولكن نذكر في هذه العجالة أن الانسان لديه ما يسمى ب"الأنا" الذي يشمل جسمه وروحه، فهو ينسب كل شئ لهذه الحقيقة، اذ يقول رأسي ويدي وجسمي وروحي وعقلي وكياني، فما هي هذه "الأنا" التي ينسب لها الانسان كل كيانه من جسم وروح وعقل، وهل يمكن لهذه "الأنا" أن تتكون من حيوان بطفرة وراثية؟
كلا والف كلا.
9- ان ترتيب نظام بديع في خلايا الانسان يشمل تركيب ثلاثين الف جين -حسب اكتشاف الخريطة الوراثية للانسان- تحمل الصفات الوراثية من الابوين وتعمل بشكل بديع ورائع لكي يولد الانسان كاملا من حيث الدماغ والأعصاب والسمع والبصر والاحساس والكبد والامعاء والقلب والعروق وكل ذلك يدل على نفي"الصدفة" ووجود "نظام" معين خلق عليه الانسان وهذا يدل على عدم صحة نظرية داروين التي تؤمن بالصدفة ( لولا الدعاية والاعلام المضلل) وبمراجعة نظرية الاحتمالات (والتي أسهب الشهيد السيد محمد باقر الصدر في شرحها والاستدلال عليها في كتابه -الاسس المنطقية للاستقراء-) نرى أن نسبة الاحتمال في تحقق الصدفة بترتيب هذه الثلاثين الف جين وراثي بهذا الشكل تصل الى حد الصفر، اذ أنها تمثل نسبة الواحد مقسوما على واحد أمامه ثلاثين الف صفر وهو ما لا يحصى من مليارات المليارت ويصل الى الصفر (لان تقسيم أي رقم على المالانهاية يساوي صفرا).
اذن لا مجال للقول بالصدفة في الخلق اطلاقا. ولو اردنا ان ندقق أكثر فان كل جين وراثي مكون من البروتين وكل بروتين مكون من سلسلة من مئات الأحماض الأمينية التي ترتبط ببعضها ضمن تسلسل معين لايمكن ان يتغير والا تغير نوع البروتين. وبذلك نرى ان نسبة خلق جزئ البروتين (وهو المادة الأصلية للجين الوراثي) صدفة تصل الى الصفر، كما أن تنظيم هذا البروتين ليكون جين وراثي واحد ينضم مع ثلاثين ألف جين مثله ضمن تسلسل بديع ورائع لخلق الانسان يعني أن نسبة الصدفة فيه هي الصفر.اذن لابد لهذا الخلق البديع من خالق عالم قادر بديع حي قدوس أحد صمد "فتبارك الله أحسن الخالقين".

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2768


خدمات المحتوى